ابن الجوزي

209

صفة الصفوة

فلما مات فعلت ما أمرني ، ثم نظرت اليوم الذي يركب فيه الرشيد فجلست له على الطريق فلما مرّ ناديته : يا أمير المؤمنين لك عندي وديعة ولوّحت بالخاتم فأمر بي فأخذت وحملت حتى دخل إلى داره ثم دعا بي ونحّى جميع من عنده وقال : من أنت ؟ فقلت : عبد اللّه بن الفرج . فقال : هذا الخاتم من أين لك ؟ فحدثته قصة الشاب . فجعل يبكي حتى رحمته . فلما أنس إليّ قلت : يا أمير المؤمنين من هو منك ؟ قال : ابني . قلت : كيف سار إلى هذه الحال ؟ قال : ولد لي قبل أن أبتلى بالخلافة فنشأ نشوءا حسنا وتعلّم القرآن والعلم . فلما وليت الخلافة تركني ولم ينل من دنياي شيئا . فدفعت إلى أمّه هذا الخاتم وهو ياقوت ويساوي مالا كثيرا فدفعته إليها وقلت لها : تدفعين هذا إليه ، وكان برا بأمّه ، وتسأليه أن يكون معه فلعله أن يحتاج إليه يوما من الأيام فينتفع به . وتوفّيت أمه فما عرفت له خبرا إلا ما أخبرتني به أنت . ثم قال لي : إذا كان الليل فأخرج معي إلى قبره . فلما كان الليل خرج وحده معي يمشي حتى أتينا قبره فجلس إليه فبكى بكاء شديدا . فلما طلع الفجر قمنا فرجع فقال لي : تعاهدني في الأيام حتى أزور قبره . فكنت أتعاهده بالليل فيخرج حتى يزور قبره ثم يرجع . قال عبد اللّه بن الفرج : ولم أعلم أنه ابن الرشيد حتى أخبرني الرشيد أنه ابنه ، أو كما قال ابن أبي الطيب . قلت : هذا طريق حسن والطريق الذي قبله أصحّ لأنه متصل ورواته ثقات . وقد زاد القصّاص في حديث السّبتي وأبدءوا وأعادوا وذكروا أن هذا الرجل : كان من زبيدة وأنه خرج يتصيّد فوعظه صالح المرّي فوقع فرسه - في أشياء كلّها محال . فاقتصرنا على ما صح . واللّه الموفق . 258 - عبد اللّه بن مرزوق أبو محمد زعم أبو عبد الرحمن السلمي أنه كان وزير هارون الرشيد ، فخرج من ذلك وتخلّى من ماله وتزهّد .